فصل: خطبة في التحذير من المعاصي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: موارد الظمآن لدروس الزمان



.فصل في خطب أمير الْمُؤْمِنِين علي بن أبي طالب رضوان الله عَلَيْهِ بالكوفة:

فَقَالَ في كلام له: سبحانك خالقًا معبودًا بحسن بَلائِكَ في خلقك، خلقت دارًا وجعلت مأدبة ومطعمًا ومشربًا، وأزواجًا وقصورًا، وخدمًا وعيونًا وأنهارًا، ثُمَّ أرسلت داعيًا إلينا، فلا الداعي أجبنا، ولا فيما رغبتنا رغبنا، أقبلنا على جيفة نأكل منها، قَدْ زَادَ بعضنا على بعض حرصًا عَلَيْهَا، وافتضحنا لما اصطلحنا على حبها، عميت أبصار صالحينا وفقهائنا فيها، ولها من في قَلْبهُ مرض، فهو ينظر بعين غير صحيحة، ويسمَعَ بأذن غير سميعة، وقَدْ ملكت الشهوات عقله، وأماتت الدُّنْيَا قَلْبهُ، وذهلت عَلَيْهَا نَفْسهُ، فهو عبدها وعبد من في يديه منها شَيْء، حيثما زالت زال معها، وحيثما أقبلت أقبل إليها، لا يعقل ولا يسمَعَ، ولا يزدجر من الله بزاجر، ولا يتعظ من الله بواعظ. قَدْ رأى المأخوذين على الغرة حيث لا إقالة ولا رجعة كيف فاجاتهم تلك الأمور، ونزل بِهُمْ ما كَانُوا يوعدون، وفارقوا الدور، وصاروا إلى القبور، ولقوا دواهي تلك الأمور، فإذا نزلت بقُلُوبهمْ حسرات أنفسهم، اجتمعت عَلَيْهمْ خصلتان، حَسْرَة الفوت، وسكرة الموت، تفطرت لها قُلُوبهمْ، وتغيرت ألوانهم، وتردد فوافهم وحركوا لمخَرَجَ أرواحهم أيديهم وأرجلهم، فعرقت لذَلِكَ جباههم، ثُمَّ ازداد الموت فيهم، فحيل بين أحدهم ومنطقه وأنه لبين ظهراني قومه ففكر بعقل بقي له: فيم فني عمره، وفيم ذهبت أيامه!!
عن الأصمعي رَحِمَهُ اللهُ قال: حجبت فنزلت ضرية في يوم جمعة، فإذا أعرابي قَدْ كور عمامته، وتنكب قوسه، فصعد المنبر فحمد الله، وأثنى عَلَيْهِ، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قال: أيها النَّاس، إن الدُّنْيَا دار ممر، والآخِر دار مقر فخذوا من دار ممركم، ولا تهتكوا أستاركم عَنْدَ من لا تخفى عَلَيْهِ أسراركم، فإنه لن يستقبل أحدٌ يومًا من عمره إِلا بفارق آخر من أجله، وإن أمس موعظة، واليوم غنيمة، وغدًا لا يدري من أهله. فاستصلحوا ما تقدمون عَلَيْهِ، واقنوا ما لا ترجعون إليه، واخرجوا من الدُّنْيَا بقلوبكم قبل أن تخَرَجَ منها أبدانكم، ففيها خلقنم، وإلى غيرها ندبتم. وإنه لا قوي أقوي من الخالق، ولا ضعيف أضعف من مخلوق، ولا هرب من الله إِلا إليه، وكيف يهرب من يتقلب في يدي طالبه، و: {كُلّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} عصمنا الله وإياكم من الزلل ووفقنا لصالح الْعَمَل وهدانَا بفضله سبيل الرشاد وطَرِيق السداد إنه جل شأنه نعم المولى ونعم النصير.
لا يَخْدَعَنَّكَ صِحَّةٌ وَفَرَاغ ** مَا لا يَدُومُ عَلَيْكَ فَهُوَ مُعَارُ

يَغْشَى الْفَتَى حُبَّ الْحَيَاةِ وَزِينَةَ الدُّ ** نْيَا وَيَنْسَى مَا إليه يُصَارُ

وَإِذَا الْبَصَائِرُ عَنْ طَرَائِقِ رُشْدِهَا ** عَمِيَتْ فَمَاذَا تَنْفَعُ الأَبْصَارُ

لا تَغْتَرِرْ بِالدَّهْرِ إِنْ وَافَاكَ فِي ** حَالٍ يَسُرُّكَ إِنَّهُ غَرَّارُ

انْظُرْ إِلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكَ وَاعْتَبِرْ ** سَتَصِيرُ عَنْ قُرْبٍ إِلَى مَا صَارُوا

آخر:
النَّاسُ فِي غَفْلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِهُمْ ** وَمِمَّا يُفِيقُونَ حَتَّى يَنْفَدَ الْعُمُرُ

يُشِيعُونَ أَهَإليهِمْ بِجَمْعِمُوا ** وَيَنْظُرُونَ إِلَى مَا فِي قَدْ قُبِرُوا

وَيَرْجِعُونَ إِلَى أَحْلامِ غَفْلَتِهِمْ ** كَأَنَّهُمْ مَا رَأَوْا شَيْئًا وَلا نَظَرُوا

اللَّهُمَّ إن حسناتنا من عطائك، وسيئآتنا من قضائك، فجد اللَّهُمَّ بما أعطيت، على ما به قضيت، حتى تمحو ذَلِكَ بذَلِكَ، اللَّهُمَّ إن مساوينا قطعت عنا الوسائل، غير أَنَا علمنا أنك رب كريم، ومولى رؤوف رحيم، فجرانَا مَعَ قبح أفعالنا، وضعف أعمالنا، علمنا بذَلِكَ، وحملنا – مَعَ البعد عَنْكَ- رجاؤنا في نوالك، فاستجب لنا، واغفر لنا وارحمنا، وتب عَلَيْنَا، وعافنا واعف عنا، وحقق رجاءنا، واسمَعَ دعاءنا بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ.

.قصة الذبيح إسماعيل بن إبراهيم الخليل عَلَيْهِمَا الصَّلاة والسَّلام:

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى ** إِنْعَامِهِ فَهُوَ ذُو الأَنْعَامِ وَالنِّعَمِ

وَبَعْدَ هَذَا فَآلافُ الصَّلاةِ عَلَى ** مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْعُرْبَانِ وَالْعَجَمِ

وَالآلِ وَالصَّحْبِ ثُمَّ التَّابِعِينَ لَهُمْ ** مَا لاحَ بَرْقٌ وَسَحَّتْ أَعينُ الدِّيمِ

إِنِّي نَظَمْتُ لأَمْرٍ لِلْخَلِيلِ بِمَا ** أَدَّاهُ فِكْرِي وَمَا أَبْدَى بِهِ قَلَمِي

فَبَيْنَمَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُضْطَجِعًا ** الْعَيْنُ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبُ لَمْ يَنَمِ

رَأَى مَنَامًا بِأَنَّ اللهَ يَأْمُرُهُ ** بِذَبْحِ ابن صَدُوقِ الْقَوْلِ ذِي الشِّيَمِ

أَعْنِي أَبَا الْعَرَبِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ بِهِ ** جَمَاعَةٌ مِنْ ذَوِي الأَلْبَابِ وَالْحِكَمِ

وَبَعْضُهُمْ قَالَ إِسْحَقَ الذَّبِيحَ وَقَدْ ** تَوَاتَرَ الْقَوْلُ فِيمَنْ قَبْلُ كَانَ سُمِي

نَادَاهُ إِنِّي أَرَى فِي النَّوْمِ ذَبْحَكَ يَا ** بُنَيَّ فَانْظُرْ فَمَا رُؤْيَايَ بِالْحُلُم

فَقَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ ** مُبَادِرًا أَنْتَ أَمْرَ اللهِ لَنْ تُلَمِ

لَكِنَّ وَالدَتِي وَارَحْمَتَاهُ لَهَا ** مَاذَا يَحِلُّ بِهَا إِنْ خُبِّرَتْ بِدَمِ

فَاقْرِي وَالِدَتِي مِنِّي السَّلامَ وَقُلْ ** لَهَا أصْبِرِي لِقَضَاءِ اللهِ وَاعْتَصِم

حَولْ لِوَجْهِكَ عِنْدَ الذَّبْحِ يَا أَبَتِي ** وَاغْضُضْ بِطَرْفِكَ لا تَجْزَعْ لِسَفْكِ دَمِي

فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللهِ يَفْعَلُ بِي ** مَا شَاءَ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ وَذُو كَرَمِ

فَاسْتَسْلَمَا ثُمَّ سَارَ عَازِمِينَ عَلَى ** إِنْفَاذِ أَمْرِ إلَهٍ مُحْيِي الرِّمَمِ

فَجَاءَ إِبْلَيْسُ يَسْعَى وَهُوَ ذُو عَجَلٍ ** فِي زِيِّ شَيْخٍ كَبِيرِ السِّنِّ ذِي هَرَمِ

فَقَالَ أَنْتَ خَلِيلُ اللهِ تَسْمَعُ مَا ** يُوحِيهِ إِبْلَيْسَ فِي الأَضْغَانِ وَالْحُلُمِ

أَجَابَهُ اخْسَأْ عَدَوَّ اللهِ إِنَّكَ إِبْـ ** ـلَيْسُ اللَّعِينُ قَرِينُ الشَّرِّ وَالنَّدَمِ

فَرَاحَ عَنْهُ وَوَلَّى خَاسِئًا خَجِلاً ** يَقُولُ قَدْ فَاتَنِي الْمَطْلُوبُ وَآلِمِ

ثُمَّ انْثَنَى نَحْوَ إِسْمَاعِيلَ مُمْتَحِنًا ** لَهُ يَقُولُ ادْنُ مِنِّي وَاسْتَمِعْ كَلَمِ

أَبُوكَ يَزْعُمُ أَنَّ اللهَ يَأْمُرُهُ ** بِذَبْحِكَ اليوم مَا هَذَا مِنَ الشِّيَمِ

فَقَالَ إِنْ كَانَ رَبُّ الْعَرْشِ يَأْمُرُهُ ** فَإِنَّنِي صَابِرٌ رَاضٍ بِلا نَدَمِ

وَطَاعَةُ الرَّبِّ فَرْضٌ لا مَحِيصَ لَنَا ** عَنْهَا لأَنْ كُتِبَتَ فِي اللَّوْحِ بِاْلَقَلمِ

فَارْجِعْ بِكِبْرِكَ عَنَّا إِنَّنَا بَرَءَآ ** مِنْكَ فَإِنَّكَ مَطْرُودٌ مِنَ الرَّحِمِ

فراحَ عنه لِنَحْو الأم قَالَ لَهَا ** إنَّ ابنَكَ اليومَ مَذْبُوحٌ على وَهَمِ

مِنْ أَجْلِ رُؤْيًا رَآهَا الشَّيْخُ حَقَّقَهَا ** يُرِيدُ انْجازَهَا هَلْ ذَا بِمُلْتَزَمِ

قَالَتْ نَعَمْ مَا لَهُ بُدٌ وَكَيْفَ لَهُ ** بِأَنْ يُخَالِفَ مَنْ أَنْشَاهُ مِنْ عَدَمِ

لَمَّا رَأَى إليأْسَ مِنْهُمْ رَدَّ مُكْتَئِبًا ** يَرنَّ أَرْنَانَ ذَاتِ الثُّكْلِ وَإليتُمِ

إِذَا فَاتَهُ مَا جَرَى مِنْهُ وَأَمَّلَهُ ** وَبَاءَ بِالْخِزْيِ وَالْخُذْلانِ وَالنَّدَمِ

وَانْقَادَ لِلذَّبْحِ إِسْمَاعِيلُ مُحْتَسِبًا ** لِحُكْمِ مَوْلاهُ يَمْشِي حَافِي الْقَدَمِ

فَبَيْنَمَا هُوَ مُنْقَادٌ لِسَيِّدِهِ ** مَا فِيهِ مِنْ جَزَعٍ كَلا وَلا سَئَمِ

أَتَى الْخَلِيلُ بِسِكِّينٍ فَأَشْحَذْهَا ** حَتَّى غَدَتْ مِثْلَ بَرْقٍ دُجَى الظُّلَم

فَقَالَ يَا أَبَتَاهُ ارْفَعْ ثِيَابَكَ لا ** يُصِيبُهَا قَذَرٌ عِنْدَ اصْطِبَابِ دَمِي

وَيَفْجَعُ الأُمَّ مَهْمَا شَاهَدَتْهُ كَذَا ** فَاللهُ يَعْصِمُهَا مِنْ زَلَّةِ الْقَدَمِ

وَالأَمُّ يَا وَالَدِي مَهْمَا رَجَعْتَ لَهَا ** فَاطْلُبْ لِي الْحَلَّ مِنْهَا وَأحْفَظْ الذِّمَمِ

وَأَمْرَ مَوْلايَ نَفَّذْهُ بِذَبْحِكَ لِي ** وَاشْحذ لِشَفْرَةِ ذَبْحِي يَا أَبَا الْكَرَمِ

كَيْمَا يَهُونُ عَليَّ الْمَوْت إِنَّ لَهُ ** لَشِدَّةٍ لَمْ تَصِفْهَا أَلْسُنُ الأُمَمِ

قَالَ الْخَلِيلُ فَنِعْمَ الْعَوْنِ أَنْتَ عَلَى ** مَرْضَاةِ رَبِّي فَثِقْ بِاللهِ وَاعْتَصِمِ

فَجَاءَ بِالْحَبْلِ شَدَّ الإِبْنُ ثُمَّ بَكَى ** لِرِقَّةِ غَلَبَتْهُ فَهُوَ لَمْ يُلَمِ

أَمَرَّ شَفْرَتَهُ بِالنَّحْرِ فَانْقَلَبَتْ ** عَنْهُ ثَلاثًا وَلَمْ يَمْسَسْهُ مِنْ أَلَمِ

فَقَالَ إِنَّ شَقَّ ذَا وَالنَّفْسُ مَا سَمِحَتْ ** فَكُبَّ وَجْهِي فَإِنِّي غَيْرَ مُهْتَضِمِ

فَكَبَّهُ مِثْلَ مَا أَوْصَاهُ فَانْقَلَبَتْ ** إِذْ ذَاكَ شَفْرَتُهُ لَمْ تُفْرِ مِنْ أَدَمِ

وَالأَرْضُ رَجَّتْ وَأَمْلاكُ السَّمَا جَارَتْ ** وَالْوَحْشُ عَجَّتْ وَعَمَّ الْخَطْبُ فِي الأُمَمِ

وَاللهُ ذُو الْعَرْشِ فَوْقَ الْعَرْشِ يَعْجِبُ مِنْ ** إِيمَانِ عَبْدَيْهِ مَا عَنْهُ بِمُنْكَتِمِ

أَوْحَى لِجِبْرِيلَ أَنْ أَدْرَكْهُمَا عَجلاً ** بِكَبْشِ ضَانٍ رَبِّي فِي رَوْضَةِ النَّعَمِ

أَيْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا فِي الْجِنَانِ رَعَى ** يَسْقَى مِنْ أَنْهَارَهَا عَذْبًا بِلا وَحَم

فَجَاءَ بِالْكَبْشِ جِبْرِيلُ الأَمِينُ إِلَى ** ذَاكَ الْخَلِيلِ النَّبِيلِ الطَّاهِرِ الْعَلَمِ

فَقَالَ هَذَا الْفِدَى مِنْ عِنْدَ رَبَّكَ عَنْ ** هَذَا الذَّبِيحِ جَزَا هَذَا دَمٌ بِدَمِ

فَكَبَّرَ اللهَ جُبْرَائِيلُ حِينَئِذٍ ** وَالْكَبْشُ كَبَّرَ أَيْضًا نَاطِقًا بِفَمِ

ثم الخَلِيلُ كَذاكَ الإِبنُ مَا بَرَحَا ** مُكَبَّرِيْنَ وذَا شُكْرٌ على النَّعَمِ

وَسَرَّ أَهْلَ السَّمَا وَالأَرْضُ حَالَهُمَا ** وَاغْتَمَ إِبْلَيْسَ غَمًّا غَيْرَ مُنْصَرِمِ

عَوَاقِبُ الصَّبْرِ تُنْجِي مَنْ يُلازِمُهَا ** وَالْحَمْدُ للهِ هَذَا آخِرُ الْكَلِمِ

ثُمَّ الصَّلاةُ عَلَى الْمُخْتَارِ أَحْمَدَ مَا ** غَنَّتْ مُطَوَّقَةٌ فِي الأَيْكِ بِالنِّعَمِ

وَالآلُ وَالصَّحْبُ ثُمَّ التَّابِعِينَ لَهُمْ ** مَا لاحَ فَجْرٌ فَأَجْلَى غَيْهَبَ الظُّلَم

انتهى.
اللَّهُمَّ أَنَا نَسْأَلُكَ نَفْسًا مُطْمَئِنَّةً، تُؤمِنُ بِلقَائِكْ وتَرْضَى بِقَضائِكْ، وتَقْنَعُ بِعَطَائِكْ، يا أرْأفَ الرائفين، وأَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَنَا نَسْأَلُكَ التَّوْفِيق لما تُحِبُّه مِن الأعمال، ونسألُكَ صِدْقَ التوكلِ عليكْ، وحُسْنَ الظَنِّ بِكَ يَا رَبَّ العالمين.
اللَّهُمَّ اجعلنا من عبادك المُخْبِتِين، الغُرِّ المُحَجَّلِين الوَفْدِ المُتَقَبِّلين.
اللَّهُمَّ أَنَا نَسْأَلُكَ حَيَاةً طَيِّبةً، ونَفْسًا تَقِيَّةً، وعِيْشَةً نَقِيَّةً ومِيْتَةً سَويَّةً، ومَرَدًا غَيْرَ مُخْزِي ولا فاضح.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ أهلِ الصَّلاحِ والنَّجَاحِ والفَلاحِ، ومِن المُؤَيَّدِينَ بِنَصْرِكَ وتَأْييدِكَ ورِضاكَ.
اللَّهُمَّ افْتَحْ لِدُعَائِنا بابَ القَبُولِ والإِجَابةِ واغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيع المُسْلِمينَ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.

.خطبة في التحذير من المعاصي:

قال أحد الْعُلَمَاء رَحِمَهُ اللهُ عَلَيْهِ: الحمد لله الَّذِي حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن المتعرف إلى خلقه بما أسداه إليهم من الكرم والمنن الَّذِي أخَرَجَ النَّاس من الظلمَاتَ إلى النور وهداهم إلى صراطه المستقيم وجنبهم ما يوقعهم في مهامه الجحيم.
الواحد الأحد الفرد الصمد العزيز الحكيم لا تدركه الأبصار وَهُوَ يدرك الأبصار وَهُوَ اللطيف الخبير أحمده سُبْحَانَهُ على فضله وجوده الغزير وأشكره وَالشُّكْر مؤذن بالزيادة والتوفير.
وأشهد أن لا إله إِلا الله وحده لا شريك له وَهُوَ نعم المولى ونعم النصير وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير اللَّهُمَّ صل وسلم على عبدك ورسولك مُحَمَّد وعلى آله وصبحه أولي الجد في الطاعة والتشمير صلاة وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم المصير.
أما بعد: أيها النَّاس اتقوا الله تَعَالَى بفعل أوامره واجتناب مناهيه وقوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها النَّاس والحجارة عَلَيْهَا ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وتدبروا فيمن ضاع عمره في البطالة والتمادي وجمَعَ الْمَال ولا يبإلى أمن حلالٍ جمعه أم من حرام.
ولا تأكلوا الربا فإن الله لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وَقَالَ هم في الوزر سواء قال الله جَلَّ وَعَلا: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ إليتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} وَقَالَ عز من قائل: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً}. وَقَالَ تَعَالَى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً} وفي الْحَدِيث: «مْا تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ حَتَّى أعْلِنُوها إِلاَّ ابتلاهم الله بالطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا. ومْا طفّف قَوْمٍ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلاَّ ابتلوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ وَما مْنَعُ قَوْمٍ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَمْا خفر قَوْمٍ العَهْدَ اللَّهِ إِلاَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ. ولا حكموا بغير مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ».
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلام: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ».
وقَالَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِمُ كَانَ فِي حَاجَتِهِ».
وَقَالَ في حجة الوداع: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ» وقَالَ عن الكعبة ما أعظمك وأعظم حرمتك وإن حرمة المُؤْمِن أعظم عَنْدَ الله منك.
وقال: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يأمن جاره بوائقه» وقَالَ مُعَاذُ أو مُؤَاخَذُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» وَقَالَ الغيبة أشد مِنَ الزِّنَا للْحَدِيث: «إن من أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم» وَقَالَ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وفي حديث أبي بكر «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ من عنده» رواه أَحَمَد وعن أَبِي هُرَيْرَةِ قال: قَالَ رَسُولِ اللهُ صلى الله عليه وسلم: «إذا خفيت الخطيئةُ لم تضرَّ إِلا صاحبَها وإذا ظهرتْ فلم تغيَّرْ ضَرَّتْ العامةَ».
وروى أَحَمَد عن عُمَر بن الْخَطَّاب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يوشك أن تخرب القرى وهي عامرة قَالُوا وكيف خرابها قال إذا علا فجارها على أبرارها وساد القبيلة منافقوها وروى أَحَمَد من حديث جَرِيرٍ أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَعَزُّ وأَكْثَرُ مِمَّنْ يَعْمَلُه فلم يُغَيِّرُوهُ إِلاَّ عَمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ» وروى البخاري عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ إِنْ كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، مَنْ الْمُوبِقَاتُ.
فاتقو الله عباد الله بالإقلاع عن المعاصي وتوبوا إلى ربكم توبة نصوحًا عَسَى ربكم أن يكفر عنكم سئاتكم واستدركوا بقية عمر أضعتم أوله فإن بقية عمر المُؤْمِن لا قيمة له جعلني الله وإياكم ممن أفاق لنفسه وفاق بالتحفظ أبناء جنسه وأعد عدة تصلح لرمسه.
إن أحس ما وعظ به الواعظون كلام من نَحْنُ لعفوه وكرمه مؤملون والله يَقُولُ وبقوله يهتدي المهتدون وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون أعوذ بِاللهِ من الشيطان الرجيم: {فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى* وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} بارك الله لي ولكم في القرآن ولكم في القرآن العَظِيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أَقُول قولي هَذَا وأستغفر الله العَظِيم لي ولكم وَلِجَمِيعِ المسلمين فاستغفروه إنه هُوَ الغفور الرحيم.